محمود علي قراعة
251
الثقافة الروحية في إنجيل برنابا
رحمه من غير أن يؤثرهم على من هو أفضل منهم ، لا يحفو على أحد ، يقبل معذرة المعتذر إليه ، يمزح ولا يقول إلا حقا ، لا يمضي له وقت في غير عمل لله تعالى ، أو فيما لا بد له منه من صلاح نفسه ، لا يحتقر مسكينا لفقره ، ولا يهاب ملكا لملكه ، يدعو هذا وهذا إلى الله ، دعاء مستويا ( 1 ) . وبالجملة لا توجد صفة كريمة إلا كان لنبينا الكريم الذروة فيها ، فكان شديد الحياء ، وكان أبر الناس بأصدقائه وكان شديد التواضع ، وكان يعفو عن كثير ويتحمل الأذى في سبيل نصر الله ، وكان كثير السخاء ، والكرم ، وكان يداعب ولا يقول إلا حقا ، وكان صلبا في التمسك بالحق ، وكان أكثر الناس حرصا على الأدب في حق ربه ، وكان وفيا للناس وللأماكن والجهات ، بارا بأولاده وأهله ، وكان صلى الله عليه وسلم غني الروح فقيرا من المادة ، فقد حدثنا أنس رضي الله عنه ، فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لقد أخفت في الله ما لم يخف أحد ، وأوذيت في الله ما لم يؤذ أحد ، ولقد أتى علي ثلاثون يوما ما بين يوم وليلة ، وما لي ولبلال من الطعام ، إلا شئ يواريه إبط بلال " ! وحدثنا أبو طلحة رضي الله عنهما ، فقال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع ، ورفعنا ثيابنا عن حجر ، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن حجرين ( 2 ) " الله أكبر ! هذا رسول الله ، لو شاء لأوتي خزائن الأرض ، ولكنه آثر ما عند الله في الأخرى ، وجاهد في سبيل ربه ولم يعبأ بالحياة المادية الصغيرة ، لأن الروح السامية النبيلة همها غذاء الروح ، من مناجاة ربها ، والجهاد في سبيله والعمل للقرب منه ، طارحة ما في الحياة الدنيا من بهرج ، لأنها وقد عرفت الحق لم تجد أكبر من هذه المعرفة لذة ، فآثرت ما يوصلها إلى مرقاة القرب من الحق لأن ما عند الله باق ، وما في الدنيا ظل زائل ، لذا لم يكن النبي الكريم ، ليهتم
--> ( 1 ) راجع ص 249 و 250 من إحياء علوم الدين للغزالي ج 2 . ( 2 ) راجع ص 174 ج 1 من تيسير الوصول للشيباني .